الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
86
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
ومن محاسن هذا الدليل أنّه لا يجري فيه إشكال التمسك بعموم العام في الشبهات المصداقية فان الحكم هنا ثابت بعنوان البيّعان ، وهذا المعنى ثابت لهما لا يزول ، فإنه بمعنى أحداث البيع بلا إشكال . ولكن قد يورد عليه : بأنّ المراد منها الحكم باللزوم من ناحية خيار المجلس بعد افتراقهما ، فهي ناظرة إلى خيار المجلس إثباتا ونفيا ، ولا دلالة لها على لزوم البيع من سائر النواحي . وهذا الإشكال ممنوع جدّا بعد اطلاق الأحاديث وعدم وجود أي قرينة فيها على اختصاصها بهذا الخيار ، اللّهم إلّا أن يقال : إنّ عدم ذكر سائر الخيارات فيها من العيب والشرط والغبن و . . . قرينة عليه . وفيه : إنّ كل عام ومطلق قابل للتخصيص والتقييد ، فلما ذا لا تسقط سائر العمومات والمطلقات عن العموم والاطلاق في سائر المقامات بورود ذلك عليه ؟ وبالجملة هذا الإيراد ممّا لا نجد له وجها ، نعم الإشكال الوحيد عليها أنّها أخص من المدعى لو كان المدعى هو أصالة اللزوم كقاعدة كلية ، ولو كان الكلام مقصورا على البيع تمّت دلالتها وقامت حجتها ولا غبار عليها . 10 - بناء العقلاء على اللزوم : لا ينبغي الشك في أنّ بناء العقود عندهم على اللزوم ، فالبيع والنكاح والإجارة وغيرها من أشباهها لازمة لا تفسخ إلّا بدليل قائم على حق الفسخ ، فالخيارات عندهم استثناءات في هذه القاعدة الثابتة اللازمة عندهم . بل يمكن أن يقال : إنّ ذلك مأخوذ في طبيعة العقد وماهيته ، فلو لم يكن العقد لازم المراعاة لم يكن بمثابة العهد الذي يعتمدون عليه ، فالعهود والعقود كلها تعهدات في مقابل تعهدات تلزم الطرفين بمراعاتها ، وعدم التعدي عن طورها ، فلو كان لكل واحد منهما رفضها وتركها متى ما أراد ، وجاز الخروج عن مقتضى وظيفتها ، لم تفد أي فائدة ، بل لم تكن معاهدة في الحقيقة ، نعم لكل منهما اشتراط الخيار كاستثناء في لزوم العقد إلى مدّة معلومة .